لماذا تعتقد أن الجميع “أغبياء” أو “مجانين”؟
السر المخيف لأنظمة التشغيل النفسية عند كارل يونغ (أنت لا تعيش في الواقع الذي تظنه)
أنت تجلس في اجتماع عمل، أو في نقاش حاد مع شريك حياتك.
أنت تطرح الحقائق، والأرقام، والمنطق البارد الواضح كالشمس. لكن الشخص الآخر ينظر إليك وكأنك تتحدث بلغة فضائية، ويرد عليك بحجج مبنية على “مشاعره” أو “قيمه” أو “حدسه” الغامض.
تخرج من الغرفة وأنت تتمتم: “لماذا الناس أغبياء هكذا؟ لماذا لا يرون ما هو واضح؟”.
وفي الغرفة الأخرى، يجلس ذلك الشخص وهو يتمتم: “يا له من إنسان آلي بارد وبلا روح!”.
من منكما على صواب؟
الإجابة التي اكتشفها عالم النفس العبقري كارل يونغ قبل قرن من الزمان، والتي لا يزال معظمنا يجهلها حتى اليوم هي: كلاكما على صواب، وكلاكما يعيش في “هلوسة” مختلفة تماماً.
الخطأ الأكبر الذي نرتكبه كبشر هو الاعتقاد بأننا جميعاً ننظر إلى نفس العالم.
نحن لا نفعل ذلك. أنت لا تتفاعل مع “الواقع”؛ أنت تتفاعل مع نسخة مشفرة ومفلترة من الواقع، صممها “نظام التشغيل” الخاص بعقلك. وكارل يونغ كان أول من قام باختراق هذه الأنظمة، واكتشف أن البشر مبرمجون بشكل أساسي للعمل بأسلاك مختلفة.
إليك الدليل القاسي لكيفية عمل عقلك حقاً، ولماذا لا يفهمك أحد.
1. وهم الانطواء والانفتاح (أين تذهب طاقتك؟)
لقد شوه علم النفس التجاري مفاهيم يونغ. نحن نعتقد أن “المنفتح” هو الشخص الثرثار الذي يحب الحفلات، و”الانطوائي” هو الخجول الذي يقرأ الكتب.
هذا تبسيط مخل. يونغ لم يكن يهتم بمهاراتك الاجتماعية؛ كان يهتم بـ “اتجاه الليبيدو” (الطاقة النفسية).
المنفتح (Extravert): طاقته تُسحب دائماً نحو “الخارج” (الأشياء، الناس، الأحداث). الواقع الخارجي هو الحقيقة المطلقة بالنسبة له. إذا لم يكن الشيء ملموساً في الخارج، فهو غير موجود.
الانطوائي (Introvert): طاقته تُسحب دائماً نحو “الداخل” (الأفكار، الانطباعات، العالم الداخلي). الحدث الخارجي لا يهم بقدر “تأثير” هذا الحدث على نفسه من الداخل.
هذه هي العدسة الأولى. المنفتح يرى العالم كساحة للعب. الانطوائي يرى العالم كمادة خام يبني بها مملكته الداخلية.
2. محركات الإدراك الأربعة: كيف تجمع البيانات وتتخذ القرارات؟
الآن، تخيل أن عقلك يمتلك أربع أدوات مختلفة للبقاء على قيد الحياة. المشكلة أنك وُلدت وأنت تفضل استخدام أداة واحدة أو اثنتين فقط، وترك الباقي ليصدأ.
قسم يونغ هذه الأدوات إلى قسمين:
أولاً: كيف تستقبل البيانات؟ (اللا-عقلانية)
الحس (Sensation): هؤلاء هم “الواقعيون”. يثقون بما يمكنهم رؤيته، ولمسه، وتذوقه. يعيشون في “الآن”. إذا سألتهم عن شجرة، سيصفون لك لون لحائها وطول أوراقها.
الحدس (Intuition): هؤلاء هم “الرؤيويون”. لا يهتمون بالواقع الملموس، بل بالاحتمالات والأنماط المخفية. ينظرون إلى الشجرة فلا يرون خشباً، بل يرون دورة الحياة، أو فكرة لقصيدة، أو كيف ستصبح هذه الشجرة بعد مئة عام. (الحسيون يعتقدون أن الحدسيين مجانين، والحدسيون يعتقدون أن الحسيين سطحيون).
ثانياً: كيف تتخذ القرارات؟ (العقلانية)
3. التفكير (Thinking): هذا هو محرك “المنطق”. يبحث عن الحقيقة الموضوعية، التحليل، والسبب والنتيجة. يقيس كل شيء بمسطرة “صواب أم خطأ”. (قد يبدون قاسين أو بلا رحمة).
4. المشاعر (Feeling): (توقف هنا: هذا لا يعني البكاء والعاطفة). “المشاعر” عند يونغ تعني اتخاذ القرار بناءً على “القيم” وما هو مهم للإنسانية. يقيس كل شيء بمسطرة “مقبول أم غير مقبول”، “جيد أم سيء أخلاقياً”. (قد يبدون غير عقلانيين بالنسبة للمفكرين).
3. السلاح السري: نظام تشغيلك الأساسي
عندما تدمج اتجاه طاقتك (الداخل أو الخارج) مع أداتك المفضلة، تحصل على نوعك النفسي المهيمن.
هذا هو “البطل” في قصتك. الوظيفة التي تتقنها ببراعة لدرجة أنك تعتقد أنها الطريقة الوحيدة الصحيحة للعيش.
إذا كنت مفكراً منفتحاً (Te)، فأنت قائد ينظم العالم الخارجي بكفاءة مرعبة. تعتبر الكفاءة إلهاً، والمشاعر عقبة.
إذا كنت حَدسياً انطوائياً (Ni)، فأنت تعيش في عالم من الرؤى المستقبلية والرموز العميقة. ترى ما سيحدث قبل سنوات، لكنك قد تنسى أين وضعت مفاتيح سيارتك اليوم.
إذا كنت حسياً منفتحاً (Se)، فأنت تعيش اللحظة بأقصى شدة. أنت الشخص الذي يقفز من الطائرة بمظلة، تستمتع بالواقع الخام، ولا تطيق التنظير الفلسفي.
المشكلة؟ أنت تنظر للأشخاص الذين يستخدمون أنظمة تشغيل مختلفة على أنهم إما معاقون ذهنياً أو أشرار.
أنت لا تدرك أنك ترتدي نظارة زرقاء، وتجادل شخصاً يرتدي نظارة حمراء، حول “لون الجدار الحقيقي”.
4. القنبلة الموقوتة: “الوظيفة الدونية” (The Inferior Function)
هنا يوجه لك يونغ الضربة القاضية.
القانون النفسي الصارم يقول: بقدر ما ترتفع وظيفتك المهيمنة في الوعي، بقدر ما تغوص وظيفتك المعاكسة في ظلام اللاوعي.
هذه الوظيفة المعاكسة تسمى “الوظيفة الدونية” (The Inferior Function). إنها الجزء الطفولي، البدائي، والوحشي من شخصيتك. إنها “الوحش في القبو”.
إذا كنت “مفكراً” خارقاً تعتمد على المنطق البارد طوال حياتك، فإن وظيفة “المشاعر” لديك محبوسة في القبو. ماذا يحدث عندما تقع تحت ضغط شديد أو تقع في الحب؟ ينفجر قبو المشاعر، وتتحول أنت — العبقري المنطقي — إلى طفل غير عقلاني، شديد الحساسية، وتتخذ قرارات عاطفية كارثية تثير استغراب كل من يعرفك.
إذا كنت “حدسياً” تحلق دائماً في الأفكار والفلسفة والمستقبل، فإن وظيفة “الحس” لديك متخلفة. تحت الضغط، قد تنغمس فجأة في نوبات من الأكل الشره، أو إدمان الكحول، أو هوس مفاجئ بالتفاصيل المادية الصغيرة التي كنت تحتقرها.
اللحظة التي تنهار فيها وتتصرف “عكس طبيعتك تماماً”، هي اللحظة التي استلمت فيها “وظيفتك الدونية” عجلة القيادة. أنت لست مريضاً؛ أنت تدفع ضريبة إهمالك لنصف عقلك الآخر.
كيف تفكك المصفوفة؟
لقد استخدمنا تصنيف يونغ كأبراج فلكية رخيصة؛ لكي نضع أنفساً في صناديق (مثل اختبارات MBTI) ونقول: “أنا هكذا، تقبلوني”.
هذا عكس ما أراده يونغ تماماً!
يونغ اكتشف هذه الأنواع ليخبرك بـ ما تفتقر إليه، وليس لتبرير ما أنت عليه.
الهدف من الحياة ليس أن تبقى بطل “التفكير” أو بطل “الحدس” إلى الأبد.
الهدف الذي أسماه يونغ بـ “التفرد” (Individuation) هو أن تنزل إلى قبو عقلك، وتتصالح مع وظيفتك الدونية التي تحتقرها.
إذا كنت منطقياً بارداً، يجب أن تتعلم كيف تقدر القيم والمشاعر كبيانات حقيقية.
إذا كنت حالماً تطير في المستقبل، يجب أن تتعلم كيف تغسل الأطباق وتعيش في اللحظة المادية بوعي.
في المرة القادمة التي تقابل فيها شخصاً يفكر بطريقة “غبية” أو “غير منطقية” بالنسبة لك، توقف عن محاولة إثبات خطئه.
هو لا يخطئ؛ هو ببساطة يستخدم تطبيقاً مختلفاً غير موجود على جهازك.
وإذا كنت ذكياً حقاً.. بدلاً من السخرية من تطبيقه، يجب أن تتساءل: “ما الذي يمكن أن يراه هذا الشخص وتعمى عنه عيناي تماماً؟”.
حينها فقط، تبدأ في الاستيقاظ من الهلوسة.


الهدف الأسمى في الحياة هو التطور وتعلم ما ينقصنا. أضيف الى كلامك مسألة الاختلافات في طريقة نمو الدماغ. فليست جميع أدمغتنا مثل بعضها. بعضنا لديه حدس قوي بسبب القدرة على تحليل الأنماط ولكنه يفتقد القدرة على التعبير عن التسلسل المنطقي لاستنتاجه بسبب اختلاف في بنية الدماغ تجعل مهارات الادراك والتعبير ضعيفة، فيبدو اقل ذكاءاً. في المقابل، أرى الكثير من الأشخاص القارئين و"العقلانيين" يناقشون بناءا على افكار حفظوها ويفقدون القدرة على ربط الأمور وملاحظة الأنماط. لكل منا ذكاءه وليتنا نتعلم من بعضنا بدل من ان ننتقد.
رائع جدًا ، اخطط في إنشاء حساب اقرأ فيه المقالات بصوتي فهل تسمح لي ان اقرأ مقالك مع نسب كامل الحقوق إليك؟