مرآة الذهب السائل
قصة قصيرة
كانت الغرفة الغارقة في شمس الأصيل تبدو كأنها داخل حبة كهرمان عملاقة؛ الزمن فيها لزج، بطيء، ومحفوظ للأبد. وقفت “رايكو” أمام النافذة المفتوحة على البحر، وكان ضوء الغروب العنيف يضرب ظهرها العاري، محيلاً بشرتها الحنطية إلى صفيحة من الذهب الحي الذي يتنفس. لم تكن مجرد امرأة في تلك اللحظة؛ كانت “أفقاً” بحد ذاته.
كنت أجلس في الظل، أراقبوها بصمت، وكأنني حارس لمتحف يخشى أن يلمس المعروضات فتتفتت.
التفتتْ نحوي ببطء، وحركة عنقها كانت تحمل وقاراً ملكياً يتناقض مع عريها الصارخ. قالت بصوت هادئ، لكنه مشحون بتحدٍ خفي:
“لماذا تحدق بي هكذا؟ عيناك لا ترمشان.. كأنك تنتظر أن أسقط، أو أتحطم.”
أجبتها، وصوتي يخرج ثقيلاً من حلقي الجاف:
“أنا لا أنتظر تحطمك، بل أخشى زوالك. في هذا الضوء، أنتِ كاملة بشكل مرعب. والكمال، يا رايكو، هو الخطوة السابقة للنهاية. أنا أحاول أن أحفظ هذه الصورة في ذاكرتي قبل أن يفسدها الليل، أو الشيخوخة.”
ضحكت بخفة، ضحكة تشبه صوت تكسر الأمواج البعيدة، وخطت نحوي خطوة واحدة، فتموج النور على منحنيات خصرها وفخذيها كأنه ماء ينسكب على صخرة ملساء.
“أنت مهووس بالخلود البارد،” قالت وهي تقترب أكثر، ورائحة جسدها، مزيج من الياسمين والعرق المالح، تقتحم رئتي، “تظن أن الجسد تمثال يجب أن يتجمد ليكون جميلاً. لكنك مخطئ.. الجمال ليس في الثبات. الجمال في الاحتراق.”
“الاحتراق يليه الرماد،” قلتُ مدافعاً عن فلسفتي اليائسة.
“والرماد هو الحقيقة الوحيدة،” ردت وهي تجثو أمامي، واضعة يديها الدافئتين على ركبتي، “انظر إليّ.. لا تنظر للشكل، انظر للحرارة التي تبعث منه. هل يمكن لتمثال أن يمنحك هذا الهيام؟ هل يمكن للرخام أن يرتجف؟”
مددتُ يدي ولمستُ وجهها. كانت بشرتها ساخنة، مشعة، وتنبض بحياة عنيفة تحت السطح. في تلك اللحظة، انهار منطقي البارد. كان جسدها “موضوعاً” للحياة، حجة دامغة ضد الموت.
“ماذا تريدين؟” سألتها، وأنا أشعر بدوخة “التوهج” تبدأ في السريان في عروقي.
همست، وهي تقرب شفتيها من أذني:
“أريدك أن تنسى الزمن. أريدك أن تدخل في هذا الحريق معي. لا تعبد الجسد من بعيد كإله ميّت.. بل كن أنت القربان، وأنا المذبح. لنتحول معاً إلى شعاع واحد قبل أن تغيب الشمس.”
لم يكن هناك مجال لمزيد من الكلام. كان الحوار قد انتقل من الألسنة إلى المسام.
جذبتُها إليّ. لم يكن عناقاً لطيفاً، بل كان اصطداماً يائساً. التحم جسدي بجسدها، وشعرتُ بأنني أغوص في بحر من “الذهب السائل”. كانت رغباتها واضحة، قوية، ومسيطرة. لم تكن تطلب المتعة، بل كانت تطلب “الوجود”. كانت تريد أن تثبت لي، عبر كل رجفة، وكل تنهيدة، وكل لمسة حارقة، أن الحياة في ذروة اشتعالها هي الشيء الوحيد الذي يستحق العبادة.
“هل تشعر الآن؟” سألتني وهي تلهث، وعيناها مغمضتان ونشوة الألم واللذة ترسم خطوطاً قاسية وجميلة على وجهها، “نحن الآن لا نموت.. نحن نذوب. وهذا هو الخلود.”
كانت محقة. في ذروة ذلك التوهج، تلاشت الغرفة، وتلاشى خوفي من المستقبل. لم يعد هناك “أنا” و”هي”. كان هناك كتلة واحدة من الضوء واللحم، تتدحرج في فضاء مطلق من البياض. شعرت بقلبها يضرب ضد صدري كمطرقة تحطم جدار عزلتي. لقد حولتني رغبتها، وحولني هيامها، من مراقب بارد للحياة، إلى شعلة متقدة في قلبها.
وعندما انتهينا، وكانت الشمس قد غابت أخيراً تاركةً وراءها شفقاً قرمزياً دامياً، بقينا ممددين في شبه الغيبوبة. نظرتُ إليها، لم تكن تمثالاً، ولم تكن خالدة، لكنها كانت شيئاً أعظم: كانت حقيقية.
قلتُ لها بصوت خافت، وأنا أمسح قطرة عرق عن جبينها:
“لقد احترق المعبد.”
ففتحت عينيها وابتسمت بوهن منتصر:
“نعم.. ولكن انظر كم كان الضوء جميلاً.”


انبهر في الجرأة ، قلة من يملكونها
مقال رائع و راقي