اليهودي كـ "أوروبي صالح": قراءة في فلسفة نيتشه العابرة للقوميات
مقدمة: الإشكالية التاريخية والفلسفية وتفكيك الأسطورة
يحتل الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه (1844-1900) مكانة بالغة التعقيد ومثيرة للجدل في تاريخ الأفكار والفلسفة الغربية الحديثة. ولعل من أكثر الإشكاليات التاريخية التي طالت إرثه الفكري، وأشدها تشويهاً لجوهر رسالته الفلسفية، هي تلك المحاولة المنهجية لربط فلسفته بالأيديولوجية القومية الاشتراكية (النازية) ومعاداة السامية. لقد تعرضت نصوص نيتشه، التي تتميز بالكثافة المجازية، والتناقضات الظاهرية، والأسلوب الشذري، لعملية اختطاف غير مسبوقة في تاريخ الفلسفة، حيث تم اقتطاع مفاهيمه المحورية مثل “الإنسان الأعلى” (Übermensch)، و”إرادة القوة” (Der Wille zur Macht)، و”أخلاق السادة” من سياقها الفلسفي العميق لخدمة أغراض سياسية وعرقية لم تكن قط جزءاً من مشروعه الفكري.1
إن الفحص الدقيق والشامل لمجمل أعمال نيتشه المنشورة، ومسوداته غير المنشورة، ورسائله الشخصية، يكشف عن صورة تتناقض تناقضاً جذرياً مع الصورة النمطية التي روجت لها الدعاية النازية والأوساط القومية الألمانية. ففي خضم تنامي الحركات القومية الشوفينية ومعاداة السامية في ألمانيا وأوروبا خلال أواخر القرن التاسع عشر، برز نيتشه كواحد من أشد المعارضين لهذه الحركات، بل إنه تميز بموقف فريد يتمثل في إطرائه العميق وإعجابه الشديد باليهود، وخاصة يهود الشتات واليهود المعاصرين له.4 لقد رأى نيتشه في اليهود قوة حيوية لا تُقهر، وذكاءً حاداً صقلته قرون من المعاناة، وقدرة استثنائية على البقاء وتجاوز المحن، معتبراً إياهم عنصراً حيوياً لا غنى عنه في بناء مشروعه الثقافي المستقبلي المتمثل في “الأوروبي الصالح” أو “الأوروبي الجيد” (Der gute Europäer) الذي يتجاوز القوميات الضيقة والحدود المصطنعة.7
يسعى هذا التقرير البحثي المستفيض إلى الغوص في أعماق المصادر الإنجليزية والألمانية، وفي متون كتب نيتشه الخاصة، لاستكشاف أبعاد إطراء نيتشه لليهود وإعجابه بهم. يتمحور التحليل حول تفكيك الآليات التي تم من خلالها تزوير إرثه الفلسفي، ومن ثم الانتقال إلى تحليل نصوصه المحورية التي تكشف عن تقديره العميق للعبقرية اليهودية، وموقفه الصارم ضد معاداة السامية، وصولاً إلى استعراض الرؤى الأكاديمية المعاصرة التي أعادت تقييم علاقته المعقدة باليهودية.
للتمييز بوضوح بين فلسفة نيتشه الحقيقية والأيديولوجيا النازية التي حاولت استغلاله تاريخياً، يمكن النظر في نقاط الافتراق الجوهرية بينهما. يبرز التناقض الصارخ بين رؤية نيتشه ورؤية الحزب النازي في عدة محاور أساسية تكشف عن استحالة التوفيق بين الفكرتين:
وجه المقارنة
الأيديولوجيا النازية والقومية المتطرفة
فلسفة فريدريك نيتشه
التفوق العرقي والبيولوجي
الإيمان المطلق بتفوق العرق الآري الألماني على كافة الأعراق الأخرى، واعتباره صانع الحضارة الوحيد.
التأكيد على أن النماذج البشرية العليا (الإنسان الأعلى) يمكن أن تظهر في أي عرق، والرفض القاطع لحتمية التفوق العرقي الآري أو النقاء البيولوجي المزعوم.4
الموقف من الثقافة الألمانية
اعتبار الثقافة الألمانية المعاصرة أعلى وأفضل أمل للعالم، والترويج لتفوق الروح الجرمانية.
احتقار الثقافة الألمانية المعاصرة، واعتبارها منحطة ومريضة، والاعتقاد بأنها تفسد بقية العالم وتعيق تطور الروح الأوروبية الحرة.4
معاداة السامية كعقيدة
تبني معاداة السامية كعقيدة أساسية وممارسة سياسية وحشية تهدف إلى الإقصاء والإبادة.
اعتبار معاداة السامية مرضاً أخلاقياً، وعلامة على الانحطاط والضغينة (Ressentiment)، والرفض القاطع لها بوصفها جنوناً جماعياً.4
الرؤية تجاه اليهود كشعب
كراهية كل ما هو يهودي، واعتبار اليهود عنصراً طفيلياً يهدد النقاء العرقي للأمم الأوروبية.
امتداح اليهود لصلابتهم، وذكائهم، وقدرتهم الفائقة على البقاء، واعتبارهم العرق الأقوى والأنقى في أوروبا، ومكوناً أساسياً لمستقبلها.4
المقاربة بين المسيحية واليهودية
الادعاء بأن المسيحية تختلف جذرياً عن اليهودية وتتفوق عليها، ومحاولة تنقية المسيحية من جذورها السامية.
الإقرار بأن اليهودية والمسيحية هما في جوهرهما شيء واحد من الناحية الجينالوجية، مع اعتبار المسيحية تنويعاً أكثر خطورة وانحطاطاً من اليهودية الأصلية.4
التزوير التاريخي: دور إليزابيث فورستر-نيتشه والاختطاف الأيديولوجي
لا يمكن الشروع في فهم التناقض بين نصوص نيتشه الفعلية المليئة بالإطراء لليهود وبين السمعة السيئة التي لحقت به عبر الأجيال، دون التوقف طويلاً عند الدور التخريبي والمنهجي الذي لعبته شقيقته، إليزابيث فورستر-نيتشه. لقد شكلت إليزابيث الأداة الرئيسية والمنصة الأولى التي مهدت الطريق لاختطاف فلسفة شقيقها وتحويلها إلى سلاح أيديولوجي فتاك بيد النازية والفاشية.3
في عام 1885، اتخذت إليزابيث قراراً زاد من شقة الخلاف بينها وبين شقيقها، حيث تزوجت من برنهارد فورستر، وهو مدرس ثانوي ومحرض سياسي كان يُعد من أعتى غلاة معاداة السامية في ألمانيا وأكثرهم ضجيجاً في ذلك الوقت. قاد فورستر حركة تهدف إلى تخليص المجتمع الألماني من “السيطرة اليهودية” المزعومة، وبلغ به التعصب حد تأسيس مستعمرة نائية أطلق عليها اسم “نويفا جرمانيا” (ألمانيا الجديدة) في أدغال باراغواي عام 1886. صُممت هذه المستعمرة لتكون يوتوبيا نقية عرقياً للآريين النباتيين، وخالية تماماً من الوجود اليهودي، لتكون نموذجاً لانبعاث العرق الجرماني بعيداً عن “التلوث” الثقافي الأوروبي.3
لقد كان رد فعل نيتشه على هذا المشروع العنصري عنيفاً وحاسماً، وموثقاً في رسائله الخاصة التي لا تقبل التأويل. فقد عارض المشروع من أساسه، معلناً أنه لا يريد أن يكون له أي صلة من قريب أو بعيد بهذا “المشروع المعادي للسامية”، وتمنى له الفشل علناً.3 وفي مراسلاته الصريحة، عبر نيتشه عن غضبه واشمئزازه من شقيقته، واصفاً إياها بأوصاف قاسية تعكس عمق الهوة الفكرية والأخلاقية بينهما، حيث نعتها بـ “الإوزة المنتقمة المعادية للسامية” (a vengeful anti-Semitic goose)، ومؤكداً أن هذا الارتباط بشخص مثل فورستر أحدث قطيعة جذرية ونهائية بينهما.3 لقد كتب نيتشه بوضوح أنه يشعر بالعار من ارتباط اسمه باسم شخص يقود حركة يعتبرها الفيلسوف ذروة الغباء والانحطاط الثقافي.
بعد فشل المستعمرة فشلاً ذريعاً وانتحار برنهارد فورستر عام 1889 هرباً من الديون والفضيحة، وهو نفس العام الذي انهار فيه نيتشه عقلياً ونفسياً بشكل كامل ومأساوي وفقد القدرة على التواصل مع الواقع، عادت إليزابيث إلى ألمانيا. وهناك، وجدت شقيقها فاقداً للأهلية تماماً، بينما بدأت شهرته الفلسفية تتصاعد كالنار في الهشيم في سائر أنحاء أوروبا، وبدأت كتبه التي تجاهلها النقاد طويلاً تُقرأ وتُدرس باهتمام بالغ. استغلت إليزابيث هذه الفرصة التاريخية لتأسيس “أرشيف نيتشه” في فايمار، محتكرة بذلك حقوق نشر كافة أعماله ومسوداته ورسائله وحقوق تمثيله الأدبي.3
لقد أثبت الباحثون وعلماء فقه اللغة في النصف الثاني من القرن العشرين، بدءاً من الفيلسوف والمترجم والتر كوفمان (Walter Kaufmann) والباحث كارل شليختا (Karl Schlechta)، أن إليزابيث لم تكتفِ بالسيطرة الإدارية على الإرث، بل ارتكبت جناية أكاديمية وتاريخية كبرى. فقد قامت بتزوير رسائله، وتعديل نصوصه، وحذف الفقرات والمقاطع التي يهاجم فيها معاداة السامية بشراسة أو يمتدح فيها اليهود بشكل لا يتوافق مع الرؤية القومية. وقامت بتجميع شذرات غير مكتملة كان نيتشه قد رفض نشرها واستبعدها من خططه التأليفية، لتصدرها في كتاب ملفق ومجمع بطريقة انتقائية بعنوان “إرادة القوة” (The Will to Power).3
تجاهلت إليزابيث عن عمد وبشكل كامل تحذيرات شقيقها الصارمة ضد القومية الألمانية وخطر معاداة السامية. وقدمت للجمهور الألماني نسخة مشوهة ومبتسرة من فلسفته، صُممت خصيصاً لتتناسب مع صعود الحركات الفاشية. وصل بها الأمر إلى حد دعوة الزعيم النازي أدولف هتلر لزيارة الأرشيف في فايمار، حيث تم التقاط صور فوتوغرافية لهتلر وهو يتأمل بوقار تمثال نيتشه، في محاولة لربط الفكر النيتشوي بالرايخ الثالث. بل وصرحت إليزابيث علناً بأن هناك رابطاً روحياً وثيقاً وعملاً بطولياً يجمع بين الاشتراكية القومية (النازية) وروح نيتشه، كما امتدحت الزعيم الفاشي الإيطالي بينيتو موسوليني معتبرة إياه “التلميذ النجيب” لفلسفة شقيقها.3 في حين يشير التحليل المعمق لنصوص نيتشه إلى أنه لو كان حاضراً في ذلك العصر، لكان اعتبر موسوليني وهتلر مجرد مهرجين خطرين يمثلان أسوأ ما في عقلية القطيع.
إن هذا التزوير الممنهج، الذي وصفه النقاد المعاصرون بأنه وضع “بقعة عار على فلسفته لم تُمحَ بالكامل أبداً”، هو الذي خلق الوهم الأكاديمي والشعبي بأن نيتشه كان مفكراً معادياً للسامية أو منظراً للفاشية.3 ولكن مع تقدم الدراسات الفيلولوجية (فقه اللغة) في القرن العشرين والواحد والعشرين، والعودة إلى المخطوطات الأصلية ومراجعة طبعات كولّي ومونتيناري (Colli and Montinari) النقدية الشاملة، ظهر نيتشه كشخصية مختلفة تماماً: مفكر يزدري القومية الألمانية ازدراءً عميقاً، ويمقت معاداة السامية ويعتبرها وباءً نفسياً، وينظر إلى اليهود كقوة حضارية عظمى وضرورة لاستمرار الحيوية الفكرية في أوروبا.1
القطيعة مع فاغنر وفلسفة كراهية معاداة السامية (Anti-Anti-Semitism)
لفهم السياق الفلسفي الذي استند إليه إطراء نيتشه لليهود، يجب أولاً سبر أغوار اشمئزازه العميق من أعدائهم. إن كراهية نيتشه لمعاداة السامية لم تكن مجرد موقف سياسي عابر أو ترف فكري، بل كانت موقفاً فلسفياً وأخلاقياً متجذراً في صميم نقده لـ “أخلاق العبيد” وسايكولوجية “الضغينة” أو الحقد الدفين (Ressentiment). لقد رأى نيتشه في معادي السامية الألمان في عصره تجسيداً حياً للفشل، والانحطاط، والضعف، والغيرة العمياء من نجاح اليهود وحيويتهم الاقتصادية والثقافية.2
يتجلى هذا الموقف الفلسفي بوضوح تام في قطيعته الشهيرة والمريرة مع الموسيقار ريتشارد فاغنر، والتي شكلت منعطفاً حاسماً في حياة نيتشه الفكرية. في بداية مسيرته الفكرية، كان نيتشه الشاب من أقرب أصدقاء فاغنر ومؤيديه المخلصين، وكان يرى في الموسيقى الفاغنرية إحياءً للروح المأساوية الإغريقية. لكن مع مرور الوقت، بدأ فاغنر يغوص أكثر فأكثر في مستنقع القومية الألمانية المتعصبة، والمسيحية المحدثة، ومعاداة السامية الشرسة، وهو ما تجلى في مقالاته مثل “اليهودية في الموسيقى”.21 لقد تحولت “دائرة فاغنر” في بايرويت إلى بؤرة للتفكير العنصري المعادي لليهود ومحجاً للقوميين. وهو ما لم يستطع نيتشه، بفكره الحر وطبيعته المتمردة، أن يتحمله أو يبرره. اعتبر نيتشه أن معاداة السامية التي يتبناها فاغنر وأتباعه هي علامة واضحة على الانحطاط الثقافي والضعف الفني، وأعلن لاحقاً في كتاباته المتأخرة أنه لم يغفر لفاغنر أبداً انحداره نحو القومية الألمانية (Reichs-deutsch) وانغماسه التام في خطاب معاداة السامية.4
في إحدى تحليلاته النفسية والاجتماعية القوية، يفسر نيتشه الدوافع السيكولوجية العميقة لمعادي السامية. يشير إلى أنهم لا يغفرون لليهود امتلاكهم لـ “الروح” (Geist) - أي الفكر، والذكاء، والتفوق العقلي - وامتلاكهم للمال والنفوذ الاقتصادي. ويطلق نيتشه على معادي السامية لقب “أولئك الذين خسروا بطريقة سيئة” (der Schlechtweggekommenen)، أي الفاشلين والمحبطين الذين يبحثون يائسين عن كبش فداء لتبرير إخفاقاتهم الخاصة وعجزهم عن المنافسة الحرة.23 بالنسبة لنيتشه، كانت الحركة المعادية للسامية عبارة عن حركة للجماهير الضعيفة، المحبطة، والمريضة نفسياً، التي تتملق بعضها البعض عبر اختراع عدو وهمي وتوجيه غضبها نحوه كنوع من التنفيس الأخلاقي الزائف.18
بلغ غضب نيتشه من معاداة السامية واشمئزازه منها ذروته في أواخر حياته الواعية. وعندما حاول ثيودور فريتش (Theodor Fritsch)، وهو أحد أبرز المعادين للسامية في ألمانيا ومحرر مجلة المراسلات المعادية للسامية (Anti-Semitic Correspondence) ومؤلف كتاب “التعليم المسيحي لمعادي السامية” (Anti-Semites’ Catechism)، مراسلة نيتشه محاولاً تجنيده في حركتهم واستغلال شهرته المتنامية، متوهماً أن نيتشه قد يشاطرهم الرأي بسبب هجومه العنيف على الأخلاق اليهودية-المسيحية في أعماله، كان رد نيتشه بمثابة صفعة مدوية. رد عليه نيتشه بتوبيخات قاسية ومباشرة لا تقبل اللبس، معرباً عن اشمئزازه التام من هذه الحركة الدنيئة، وطالبه بغضب بالكف الفوري عن إرسال مطبوعاته العنصرية ورسائله السخيفة.18 هذا الموقف الحازم دفع فريتش لاحقاً للانقلاب على نيتشه ومهاجمته في مطبوعاته.
أما في رسائله الخاصة لأصدقائه المقربين، فقد كان نيتشه أكثر وضوحاً وتجرداً من الدبلوماسية. في رسالة إلى صديقه اللاهوتي فرانز أوفربيك (Franz Overbeck)، صرح نيتشه بشكل قاطع بأنه يعتبر الوقوف بشكل لا لبس فيه ضد معاداة السامية وبقاء يديه نظيفتين من هذا التلوث مسألة “شرف” أخلاقي وشخصي، مؤكداً معارضته الصريحة لهم في كافة كتاباته.19
وفي الأيام الأخيرة قبل انهياره العقلي التام في مدينة تورينو الإيطالية مطلع عام 1889، أرسل نيتشه مجموعة من الملاحظات والرسائل القصيرة المكتوبة بخط مضطرب والتي عُرفت في الأدبيات النيتشوية باسم “قصاصات الجنون” (Wahnsinnszettel). في إحدى هذه القصاصات التي أرسلها إلى أوفربيك، كتب نيتشه جملته الشهيرة والصادمة التي تلخص موقفه المتراكم: “أنا الآن بصدد إصدار أمر بإطلاق النار على جميع معادي السامية” (Ich lasse eben alle Antisemiten erschiessen).1 وفي رسالة أخرى إلى المؤرخ السويسري يعقوب بوركهارت (Jacob Burckhardt)، كتب عبارة مشابهة: “لقد ألغيت فيلهلم بسمارك وجميع معادي السامية”.27 ورغم أن هذه الرسائل كُتبت في بداية انهياره العقلي التام وفقدانه للصلة بالواقع، إلا أن الباحثين في علم النفس والفلسفة يجمعون على أنها لا تأتي من فراغ، بل تمثل التعبير الانفجاري، غير المفلتر والمطلق عن كراهيته العميقة والمتراكمة طوال حياته لتلك الأيديولوجية المريضة التي لطخت الثقافة الألمانية.5
“الأوروبي الصالح” ومشروع دمج اليهود: التحليل في “إنساني، مفرط في إنسانيته”
إذا انتقلنا من مجال المراسلات الشخصية إلى نصوص نيتشه المنشورة التي خطها بيده وراجعها بنفسه، نجد أن إطرائه لليهود ليس مجرد رد فعل عرضي أو عناد سياسي ضد معادي السامية، بل هو تقييم تاريخي وفلسفي دقيق ومعمق لدور اليهود في تشكيل وصيانة الحضارة الأوروبية. في كتابه المحوري “إنساني، مفرط في إنسانيته” (Menschliches, Allzumenschliches) الصادر عام 1878، والذي يمثل بداية ما يُعرف بمرحلة “الروح الحرة” في تطوره الفلسفي وانفصاله النهائي عن رومانسية فاغنر وتشاؤمية الفيلسوف آرثر شوبنهاور، يخصص نيتشه فقرات كاملة لتمجيد العبقرية اليهودية ودمجها في رؤيته المستقبلية.
في الشذرة رقم 475 من هذا الكتاب، تحت عنوان ذي دلالة عميقة “الإنسان الأوروبي وتدمير الأمم”، يطرح نيتشه فكرة شديدة التقدمية والخطورة بالنسبة لعصره. فهو يهاجم فكرة الدولة القومية المنغلقة بشراسة ويحذر من القوميات الاصطناعية (artificial nationalism) التي تعتبر في نظره أداة سياسية خطيرة تُبقي الشعوب في حالة استنفار وأحكام عُرفية، وتؤدي حتماً إلى عداوات مسلحة بين شعوب أوروبا وتخدم مصالح السلالات الحاكمة والطبقات التجارية الجشعة.4
يرى نيتشه أن المستقبل الحضاري يكمن في ظهور ما يسميه “الأوروبي الصالح” أو “الأوروبي الجيد” (Good European). هذا النموذج الإنساني المتفوق هو الفرد الذي يتجاوز الانتماءات القومية الضيقة والعصبيات القبلية ليندمج في ثقافة أوروبية عالمية واسعة. ويعتقد نيتشه أن التجارة، والصناعة، وسرعة تبادل الكتب والرسائل، والثقافة العليا المشتركة، ونمط الحياة الترحالي الجديد، ستؤدي حتماً إلى إضعاف وتدمير القوميات الأوروبية وتشكيل عرق أوروبي مختلط ومتجانس ومتحرر من عقد الماضي.7
في هذا السياق المستقبلي الاستثنائي لتشكيل أوروبا الموحدة، يتساءل نيتشه عن دور اليهود كأقلية مضطهدة، ويقدم إجابة تعد من أقوى وأجرأ شهادات الإطراء لليهود في الأدب الفلسفي الألماني بأكمله. يقول نيتشه إنه بمجرد أن نتخلى عن مسألة الحفاظ على الأمم (القوميات المغلقة)، ونتجه نحو إنتاج عرق أوروبي مختلط قوي، فإن “اليهودي سيكون مكوناً مفيداً ومرغوباً فيه بقدر أي مكون قومي آخر”.7 بل إن اليهود، بحسب نيتشه، يمتلكون طاقة هائلة من الذكاء العالي، والقدرة على الإرادة، ورأس مال فكري متراكم جيلًا بعد جيل من خلال تجربة الألم الطويلة في “مدارس المعاناة القاسية”.7
لكن نيتشه لا يكتفي بهذا القبول البراغماتي المجرد، بل ينطلق في دفاع تاريخي وعاطفي استثنائي عن اليهود، مشيراً إلى أنهم الأمة التي تحملت أفظع تاريخ من المعاناة والمآسي بين جميع الأمم، ومع ذلك بقيت صامدة. ويعلن أن أوروبا مدينة لليهود بديون فكرية وروحية لا تُحصى ولا يمكن إنكارها. يذكر نيتشه بشجاعة تتحدى أعراف عصره أن اليهود قدموا لأوروبا أعظم الهدايا الروحية والفكرية، قائلاً إننا مدينون لليهود بـ “أكثر الرجال محبة (ويقصد المسيح)، وأكثر الحكماء استقامة وصدقاً (ويقصد الفيلسوف باروخ سبينوزا)، وأقوى كتاب (الكتاب المقدس)، وأكثر القوانين الأخلاقية تأثيراً في العالم”.7
علاوة على ذلك، يشيد نيتشه بقوة بالدور التنويري المحوري لليهود خلال العصور المظلمة الأوروبية. يؤكد أنه في الأوقات الأكثر ظلاماً وانحطاطاً في العصور الوسطى، عندما تجمعت غيوم الجهل “الآسيوية” فوق أوروبا وهيمنت الخرافة، كان المفكرون، والعلماء، والأطباء اليهود الأحرار هم من رفعوا راية التنوير عالياً، وحافظوا على الاستقلال الفكري تحت أشد أشكال المعاناة الشخصية وخطر الموت.7 لقد دافع اليهود عن عقلانية أوروبا ضد الاستبداد الفكري، ويرى نيتشه أن التنوير الغربي، والمنطق، وحرية الفكر التي أدت لاحقاً إلى تقدم أوروبا لم تكن لتستمر لولا المثابرة اليهودية في الحفاظ على هذا التراث اليوناني-العقلاني القديم وحمايته.7
ويستنتج نيتشه بخلاصة مذهلة وعميقة في دلالاتها الثقافية: “إذا كانت المسيحية قد فعلت كل شيء لشرقنة (Orientalise) الغرب وإغراقه في الغيبيات، فإن اليهودية قد ساعدت بشكل أساسي في تغريبه (Occidentalising) من جديد؛ وهو ما يعادل بمعنى ما جعل مهمة وتاريخ أوروبا امتداداً مستمراً لتاريخ اليونان”.7 هذا الإطراء المعقد ليس مجرد كلمات عابرة لغيظ خصومه؛ إنه اعتراف فلسفي متأصل بأن النزعة العقلانية، والصلابة الفكرية، والقدرة التجريدية اليهودية هي التي شكلت جسراً لا غنى عنه بين الحكمة الإغريقية القديمة والتنوير الأوروبي الحديث، وهو ما جعل نيتشه يرى في اليهود الشركاء الأساسيين والعضويين في مشروع بناء العقل الأوروبي المستقبلي المعتمد على “الروح” والذكاء بدلاً من مفاهيم “الدم والطين” والأساطير العرقية التي نادى بها القوميون الألمان.
العرق الأقوى والأصلب: التحليل الفلسفي في “ما وراء الخير والشر”
إذا كان كتاب “إنساني، مفرط في إنسانيته” قد ركز على الدور التاريخي، والفكري، والتنويري لليهود، فإن كتاب نيتشه المتأخر والأكثر نضجاً وإثارة للجدل “ما وراء الخير والشر” (Jenseits von Gut und Böse) الصادر عام 1886، يقدم رؤية فلسفية عميقة لصلابة اليهود كعرق وكينونة نفسية، من منظور مفهوم “إرادة القوة”.
في الشذرة رقم 251 من هذا الكتاب، وفي الجزء الثامن المخصص لمناقشة “الشعوب والأوطان” (Peoples and Fatherlands)، يوجه نيتشه ضربة قاضية لخطاب التفوق العرقي الآري الذي كان يتشكل ويتبلور في عصره. وبينما كان معادو السامية يروجون ليل نهار لدونية اليهود البيولوجية وانحطاطهم، يقلب نيتشه الطاولة عليهم بكلمات واضحة وقاطعة لا لبس فيها، حيث يكتب: “إن اليهود، بلا أدنى شك، هم أقوى وأصلب وأنقى عرق يعيش في أوروبا اليوم” (Die Juden sind aber ohne allen Zweifel die stärkste, zäheste und reinste Rasse, die jetzt in Europa lebt).5
يسترسل نيتشه في تحليل أسباب هذه الصلابة الاستثنائية التي تميز بها اليهود. إنه يدرك جيداً أن القوة اليهودية لم تكن قط قوة عسكرية تقليدية أو امبراطورية مبنية على الغزو البدني والبطش الجسدي، بل هي قوة داخلية عميقة نابعة من إرادة الحياة وقدرة مذهلة، تكاد تكون خارقة، على التكيف والمقاومة. يلاحظ نيتشه أن اليهود يعرفون كيف يفرضون أنفسهم ويزدهرون بنجاح حتى تحت أسوأ الظروف الممكنة، وفي مواجهة أعتى أشكال النبذ والتمييز (بل ربما يزدهرون بشكل أفضل مما لو كانوا في ظروف مواتية ومريحة)، وذلك بفضل مجموعة من الفضائل التي يود الناس اليوم (أي القوميون والضعفاء) أن يصموها بأنها رذائل.5 هذه الإرادة للبقاء، وهذا الإصرار العنيد على الحياة رغم ألفي عام من الاضطهاد، والتشرد، والمذابح، يثير إعجاب نيتشه الفيلسوف، الذي جعل من مبدأ “إرادة القوة” (Will to Power) وتحدي الصعاب وحب القدر (Amor Fati) المحور الأساسي والأهم لفلسفته.2 اليهودي، بالنسبة لنيتشه، هو التجسيد الحي لقدرة الكائن على مقاومة الفناء وصناعة الذات من خلال المعاناة.
وفي نفس الشذرة، يبلغ نيتشه ذروة سخريته من “التبجح الألماني” الغبي ومن السياسة القومية التي تريد طرد اليهود من الإمبراطورية. يقترح نيتشه حلاً تهكمياً وساخراً ولكنه يحمل دلالة سياسية وفلسفية عميقة: يقول إن على ألمانيا أن تقوم فوراً بترحيل معادي السامية الطنّانين والمزعجين خارج الحدود، وأن تفتح أبوابها مشرعة لاستقبال اليهود والترحيب بهم، للاستفادة من قدراتهم التنظيمية، وذكائهم، وصفاتهم الروحية الجيدة التي يفتقر إليها الألمان بشدة.5 ويرى أن اندماج النخبة اليهودية الشابة والذكية مع النبلاء الألمان (وخاصة ضباط بروسيا) من شأنه أن ينتج طبقة حاكمة جديدة وقوية قادرة على قيادة أوروبا الموحدة، حيث يُمزج الانضباط العسكري البروسي مع العبقرية العقلية اليهودية.9
بالإضافة إلى ذلك، وفي الشذرة رقم 250 من نفس الكتاب العمدة، يقر نيتشه بواقعة تاريخية هامة، حيث يقول إن اليهود أعطوا أوروبا شيئاً هو الأفضل والأسوأ في نفس الوقت: ما يسميه “الأسلوب العظيم في الأخلاق” (grand style in morality). لقد استطاع اليهود، من خلال عمقهم الروحي والديني وقدراتهم النفسية، أن يفرضوا على العالم الغربي بأسره تصوراتهم الأخلاقية، وهو ما يمثل بالنسبة لنيتشه دليلاً قاطعاً وتجريبياً على قوة العقل والإرادة اليهودية التي لا تضاهى، حتى وإن كان نيتشه يعارض محتوى تلك الأخلاق من الناحية الفلسفية البحتة لأنها تتناقض مع الغرائز الطبيعية وتميل للزهد.2 إن فرض رؤية عالمية على أمم قوية هو فعل هائل من أفعال السيطرة الفكرية الذي يستوجب الانبهار الفلسفي.
التمييز الجينالوجي والفلسفي: العهد القديم، ثورة العبيد، ويهود الشتات
من أكثر القضايا التي تثير اللبس، وتستخدم أحياناً من قبل النقاد لتشويه موقف نيتشه، هي كيفية التوفيق بين نقده العنيف لـ “أخلاق العبيد” و”الكهنوت اليهودي” القديم، وكيف يتوافق ذلك مع إطرائه الصارخ ليهود عصره وإعجابه بإرادتهم. لفهم هذه الجدلية المترابطة بدقة، يجب التمييز بين ثلاث مراحل أساسية في تحليل نيتشه الجينالوجي لليهودية: مجد العهد القديم، انتفاضة العبيد الكهنوتية (التي أفرزت لاحقاً المسيحية)، ويهود الشتات (اليهود المعاصرون والتنويريون).
أولاً، يكنّ نيتشه إعجاباً مهولاً وصريحاً بـ “العهد القديم” (التناخ). في كتبه المتأخرة، ولا سيما كتاب “نقيض المسيح” (The Antichrist) و”أفول الأصنام” (Twilight of the Idols) و”ما وراء الخير والشر”، يصف نيتشه العهد القديم بأنه عمل أدبي وديني يتميز بـ “الأسلوب العظيم” (grand style). يكتب نيتشه بكل تبجيل واعتراف بالفضل: “العهد القديم - كل التبجيل له! أجد فيه بشراً عظماء، ومشاهد بطولية تتحدى الخيال، وشيئاً من أندر الأشياء في العالم أجمع، ألا وهو السذاجة التي لا تُضاهى للقلب القوي القادر، وهو ما أفتقده في عصرنا؛ وما هو أكثر من ذلك وأهم، أجد فيه أمّة”.36 في المقابل، يزدري نيتشه “العهد الجديد” (المسيحي) ازدراءً تاماً ولا يرى فيه أي عظمة، معتبراً إياه مليئاً بالتعصب المحدود، والنفاق، و”روكوكو الروح” (أي التزويق المبالغ فيه والخالي من الجوهر)، والزوايا الضيقة. ويشير نيتشه باشمئزاز أدبي وفلسفي إلى أن إلصاق العهد الجديد بالعهد القديم ليشكلا كتاباً واحداً تحت اسم (الكتاب المقدس) هو ببساطة “أكبر خطيئة ضد الروح” ارتكبتها أوروبا الأدبية على الإطلاق، لما بين الكتابين من تناقض صارخ في الحيوية والقوة.37
ثانياً، يأتي نقد نيتشه الجذري في كتابه المعقد “أصل الأخلاق وفصلها” (On the Genealogy of Morals) لما يسميه “انتفاضة العبيد في الأخلاق” (slave revolt in morality).4 يطرح نيتشه من خلال منهجه الجينالوجي فكرة أن اليهود، وهم في حالة استعباد قاسية تاريخياً تحت نير إمبراطوريات قوية، استخدموا سلاحاً عبقرياً وروحياً فتاكاً للانتقام من قاهريهم الأقوياء والمحاربين. هذا السلاح لم يكن السيف أو التمرد العسكري اليائس، بل كان عملاً عقلياً محضاً يتمثل في “إعادة تقييم جذري للقيم” (radical revaluation of values). لقد قام الكهنة اليهود، بدافع من الضغينة العميقة (Ressentiment)، بقلب المعادلة الأرستقراطية القديمة التي سادت العالم. فبينما كانت المعادلة القديمة تقول (القوي، النبيل، الجميل، السعيد = الخير والمحبوب من الآلهة)، جعلوها هم بعبقرية مذهلة: (الضعيف، الفقير، المريض والمقهور = الخير الوحيد والمحبوب من الله، بينما القوي والسيد والمحارب = الشرير والملعون إلى الأبد).2
رغم أن نيتشه، كفيلسوف يطمح لتأكيد إرادة الحياة (Amor Fati)، ينتقد هذه “الأخلاق” لأنها معادية للغرائز الحيوية للطبيعة البشرية ومناهضة للارتقاء الفسيولوجي، إلا أنه يقف مذهولاً ومبهوراً أمام العبقرية الاستراتيجية وقوة الإرادة الكامنة في هذا الفعل التاريخي. إن قدرة أمة مستعبدة على اختراع منظومة قيم جديدة بالكامل وفرض قيمها الروحية على قاهريها (والتي انتصرت لاحقاً بابتلاع الإمبراطورية الرومانية عبر المسيحية) هو في حد ذاته تجسيد هائل لـ “إرادة القوة” الخفية.2 يعترف نيتشه بكل وضوح أن التاريخ البشري كان سيكون تاريخاً “غبياً” ومملاً تماماً لولا هذا العمق السايكولوجي وهذه الروح المعقدة التي أدخلها اليهود إلى العالم.38 علاوة على ذلك، يوجه نيتشه هجومه الفعلي والأعنف نحو المسيحية (وخاصة ما فعله بولس الرسول)، معتبراً أن المسيحية هي النتيجة الكارثية والمشوهة والمنحطة لتلك الانتفاضة، بينما يشير مراراً إلى أن اليهودية القديمة كانت تمتلك حيوية وقوة طبيعية تفوق بكثير النسخة المسيحية التي انحدرت من رحمها لتصبح ديانة للضعفاء.4
ثالثاً، وهو الأهم في سياق عصره، يميز نيتشه تمييزاً قاطعاً وحاسماً بين الكهنوت القديم (الذي أسس لثورة العبيد) وبين يهود أوروبا المعاصرين (يهود الشتات). يرى نيتشه أن يهود الشتات المعاصرين قد تحرروا بشكل كبير من وهم الدين الكهنوتي القديم، وتحولوا بحكم التاريخ القاسي إلى قادة للتنوير العقلاني. إنهم مجتمع من الناجين الذين يمتلكون طاقة عقلانية جبارة وذكاء صقله الاضطهاد المستمر عبر مئات السنين في الغيتوهات الأوروبية. وبالتالي، فإن يهود الحداثة، بنظر نيتشه، ليسوا هم استمراراً لـ “أمة الكهنة” المليئة بالضغينة ضد الأقوياء، بل هم الآن المفكرون، والعلماء، والأطباء، وصناع المال والفن الذين يمتلكون من الصلابة، والواقعية، والذكاء ما يؤهلهم لإنقاذ أوروبا من الركود الفكري، والقومية الغبية، والعدمية (Nihilism) التي تسببت بها الهيمنة المسيحية لقرون.5
العبقرية اليهودية في الفنون والفكر الأوروبي
لقد انعكس إعجاب نيتشه العميق باليهود أيضاً في تقييمه الجمالي والفلسفي للعبقرية اليهودية في مجالات الفن والثقافة. على عكس فاغنر، الذي نشر مقالة شديدة العنصرية وسيئة السمعة بعنوان “اليهودية في الموسيقى” (Judaism in Music) يزعم فيها أن اليهود بطبيعتهم غير قادرين على الإبداع الفني الأصيل، وأن لغتهم غريبة عن الروح الأوروبية، وأنهم مجرد مقلدين للثقافات المضيفة 21، اتخذ نيتشه موقفاً مغايراً تماماً، خاصة بعد انفصاله الفكري والروحي عن فاغنر وتخليه عن أوهام الفن القومي.
لقد دافع نيتشه بقوة عن مساهمة العبقرية اليهودية في الثقافة الأوروبية، مشيداً بمفكرين ومبدعين يهود اعتبرهم رموزاً للتفوق الفكري والتحرر من الأوهام الميتافيزيقية. على سبيل المثال، احتفى نيتشه بشدة بالشاعر الألماني اليهودي العظيم هاينريش هاينه (Heinrich Heine)، واصفاً إياه بأنه أعلى تجسيد للروح الأوروبية والفهم العميق للغة الألمانية. لقد وصل إعجاب نيتشه بهاينه إلى حد مقارنته بنفسه، حيث رأى فيهما معاً القدرة الفائقة على استخدام اللغة الألمانية بطريقة ساخرة، موسيقية، ولاذعة، بعيداً عن الثقل والجمود الألماني التقليدي.37 كما احتفى نيتشه بالفيلسوف اليهودي الهولندي باروخ سبينوزا (Baruch Spinoza)، معتبراً إياه سلفاً فكرياً عزيزاً له، وأشاد بنقائه الفكري واستقامته الفلسفية وشجاعته في مواجهة الدوغمائية الدينية.7
وفي السياق الموسيقي، وفي حين كان القوميون الألمان الفاغنريون يحاولون بشكل منهجي طمس إنجازات الموسيقيين اليهود والتقليل من شأنهم مثل جاكومو مايربير (Giacomo Meyerbeer) وفيليكس مندلسون (Felix Mendelssohn) وجواكينو روسيني (Gioachino Rossini)، أقر نيتشه بموهبتهم الاستثنائية وتأثيرهم الطاغي. وصفهم نيتشه بأنهم أمثلة مشرقة لـ “العبقرية اليهودية” التي تتجاوز حواجز العرق والقومية لتخاطب الروح الإنسانية الشاملة.43
لقد رأى نيتشه أن اليهود المعاصرين يمتلكون ميزة كبرى تتمثل في “التجرد” (Detachment) والتحرر من التقاليد القومية والمحلية البالية التي تكبل الإبداع. هذا التجرد يمنحهم مرونة فكرية هائلة، وروحاً نقدية ساخرة، وقدرة فريدة على رؤية الأمور من منظور عالمي “أوروبي شامل”، مما يجعلهم في طليعة الفكر الحديث وأكثر الفئات قدرة على تحدي المسلمات وإزعاج الركود الفكري.45
التحليل الأكاديمي المعاصر: تفكيك العقدة النيتشوية-اليهودية
لقد أثارت مواقف نيتشه المعقدة والظاهرية التناقض نقاشات أكاديمية مستفيضة في العقود الأخيرة. وبعد زوال غبار الحرب العالمية الثانية والتشويه النازي، سعت نخبة من أبرز باحثي الفلسفة وتاريخ الأفكار إلى تجاوز القراءات السطحية وإعادة تقييم العلاقة بين فلسفة نيتشه واليهود استناداً إلى أسس موضوعية، فيلولوجية، وتاريخية صارمة.
يبرز كتاب “اللغز المظلم: هيجل، نيتشه واليهود” (Dark Riddle: Hegel, Nietzsche, and the Jews) للباحث والفيلسوف إيرمياهو يوفيل (Yirmiyahu Yovel) كواحد من أهم المراجع في هذا المجال.41 يوضح يوفيل من خلال تحليل مقارن عميق أن نيتشه، على عكس هيجل الذي رأى أن اليهودية قد استنفدت دورها التاريخي بمجيء المسيحية ولا مستقبل لها كأمة متفردة، قد عيّن لليهود المعاصرين (يهود الشتات) دوراً مصيرياً وحيوياً في أوروبا الحديثة.
يجادل يوفيل بقوة بأن نيتشه تطور عبر حياته الفكرية ليصبح باحثاً ومفكراً “معادياً لمعاداة السامية” (anti-anti-Semite) بشكل عاطفي وجذري، وأنه أُعجب بشدة بصلابة اليهود وعمقهم السايكولوجي. المفارقة الفلسفية العبقرية التي يكشفها يوفيل في فكر نيتشه هي أن الفيلسوف الألماني قد خصص لليهود مهمة تاريخية ضخمة تتمثل في “علاج” أوروبا من الثقافة المسيحية المنحطة والعدمية الحديثة التي جلبها أسلافهم (الكهنة اليهود القدامى) إلى القارة. بعبارة أخرى، يرى نيتشه أن “المفسدين القدماء” لأوروبا قد تطوروا عبر آلاف السنين من المحن، والألم الفكري، والمثابرة، ليصبحوا الآن “المخلصين” الحاليين والمستقبليين لها عبر نشر التنوير. ويؤكد يوفيل أن نيتشه، من خلال تبجيله للقوة والإرادة اليهودية في البقاء، يثبت أن فلسفة تمجيد القوة وإرادة الحياة لا يجب بالضرورة، ولا ينبغي، أن تكون معادلة لمعاداة السامية، بل على العكس تماماً، هي فلسفة تقدر قوة البقاء اليهودية.41
ويمكن إيجاز مقاربة يوفيل لفهم التناقض بين موقف هيجل وموقف نيتشه من خلال هذا العرض المبسط:
الفيلسوف
الرؤية الفلسفية الكلية
الموقف من اليهودية التاريخية
الموقف من اليهود في العصر الحديث (الشتات)
جورج فيلهلم فريدريش هيجل
فيلسوف العقل الشامل (Universal Reason) والدولة الحديثة والمسيحية.
اليهودية ما بعد المسيحية فقدت تاريخها الحقيقي وتعيش وجوداً عرضياً مطولاً فقط.
يستحقون الحقوق المدنية كأفراد، لكن لا مكان لهم في الحداثة الأوروبية “كيهود” ذوي هوية منفصلة.41
فريدريك نيتشه
فيلسوف إرادة القوة ومعارض العقلانية الشاملة (Antichrist).
الكهنة القدامى هم من أسسوا المسيحية (أخلاق العبيد) وأصابوا أوروبا بالانحطاط، وهو فعل عبقري انتقامي.
معجب بشدة بقوتهم وعمقهم؛ يمتلكون مهمة تاريخية كيهود لعلاج أوروبا من المرض المسيحي وبناء مستقبل أقوى.41
أما الباحثة ويفر سانتانييلو (Weaver Santaniello) في كتابها المرجعي “نيتشه، الله واليهود” (Nietzsche, God, and the Jews)، فتتبنى مقاربة تاريخية ونفسية أعمق للنصوص النيتشوية في سياق الثقافة الألمانية. تجادل سانتانييلو بأن نيتشه، وبسبب كراهيته العميقة والمتزايدة لمعاداة السامية في عصره (وخاصة النسخة الفاغنرية والمسيحية القومية التي روجت لها الإمبراطورية الألمانية)، قام بتوجيه نقده المنهجي والشامل نحو المسيحية كنوع من الهجوم المضاد.
ترى سانتانييلو أن احتقار نيتشه لمعاداة السامية لم يكن مجرد موقف سياسي هامشي أو رد فعل شخصي على زوج شقيقته، بل كان أحد القوى الديناميكية الدافعة الأساسية وراء نقده الشرس للمسيحية الليبرالية وللقومية الألمانية على حد سواء. وتؤكد أن قراءة متأنية لنصوص نيتشه المتعلقة باليهود، وخاصة في كتابيه “أصل الأخلاق وفصلها” و”نقيض المسيح”، تكشف عن تحالف فكري ونفسي عميق مع الأقلية اليهودية ضد الأغلبية المسيحية الاستبدادية التي كانت تؤسس، أيديولوجياً وثقافياً، لما سيصبح لاحقاً “الأسطورة النازية” المدمرة.39
من جانبه، يقدم الباحث روبرت هولوب (Robert C. Holub) في كتابه الدقيق “مشكلة نيتشه اليهودية” (Nietzsche’s Jewish Problem) تحليلاً أكثر تشريحاً ودقة للسياق التاريخي وتطور آراء نيتشه. ينفي هولوب جملة وتفصيلاً، استناداً إلى أرشيف ضخم، ارتباط نيتشه بالنازية، ويؤكد على صدق وشجاعة هجومه على معاداة السامية السياسية التي كانت تنتشر في ألمانيا.18 ومع ذلك، يشير هولوب بإنصاف أكاديمي إلى أن نيتشه الشاب، قبل نضوجه الفلسفي، لم يكن خالياً تماماً من الصور النمطية الثقافية السائدة في القرن التاسع عشر وما يسمى بـ “رُهاب اليهودية” (Judeophobia). فقد استخدم نيتشه في بعض رسائله الخاصة المبكرة جداً، أيام دراسته الجامعية، مصطلحات سلبية شائعة لوصف التجار اليهود.11
ولكن الأهم في أطروحة هولوب هو تشديده على أن موقف نيتشه الفلسفي المنشور والناضج قد استقر على رفض حازم، فكرياً وعملياً، لأي برنامج سياسي معادٍ لليهود. ويوضح هولوب أن معارضة نيتشه المتأخرة لمعاداة السامية كانت نابعة بشكل كبير من اشمئزازه المطلق من القومية المبتذلة والغباء السياسي، وأن إطراءه المتكرر، العلني والقوي، لليهود كعرق قوي وذكي وصلب، كان وسيلته الفلسفية المفضلة والفعالة لفضح ضعف وغباء وتهافت الأحزاب القومية الألمانية في عصره وتحطيم كبريائهم الزائف.18 إن هذا التعقيد الذي يطرحه هولوب يجعل من نيتشه مفكراً حياً يتعلم من أخطاء مرحلة الشباب ليقف بصلابة ضد تيارات عصره المريضة.
لقد أدت هذه المراجعات الأكاديمية الرصينة في العقود الأخيرة إلى إعادة الاعتبار لنيتشه في الأوساط الثقافية والفلسفية، حيث أصبح يُنظر إليه اليوم كمفكر طليعي تجاوز عصره، وأدرك مبكراً وقبل الكثيرين خطورة الأيديولوجيات القومية والعنصرية التي كانت تتبرعم في أوروبا، مستخدماً إعجابه باليهود وتفوقهم الفكري كأداة فلسفية لهدم هذه الأصنام الأيديولوجية.
الخاتمة: المفكر الحر والأوروبي الصالح وعدو القطيع
إن المتتبع الدقيق والموضوعي لكتابات فريدريك نيتشه المنشورة، ومراسلاته الشخصية، ومسوداته الفلسفية، وتطوره الفكري عبر الزمن، لا يمكنه إلا أن يصل إلى استنتاج قاطع، لا تشوبه شائبة، وحاسم: إن تصوير نيتشه كعراب روحي لمعاداة السامية أو كمرجعية فلسفية للفكر النازي هو ببساطة أحد أكبر عمليات التزوير وسوء الفهم في تاريخ الفكر البشري بأسره. لقد تمت هذه الجريمة الثقافية والتاريخية بأيديولوجية متعمدة ومبيتة، قادتها في المقام الأول شقيقته إليزابيث فورستر-نيتشه، التي بترت النصوص، وحرفت المقاصد، وجمعت الشذرات المبعثرة لتناسب أجندتها القومية المتطرفة واليمينية. ولاحقاً، تمت مأسسة هذا التشويه على يد منظرين نازيين (مثل ألفريد بوملر) وجدوا في مفرداته القوية والمجازية (كالإنسان الأعلى، وإرادة القوة) مادة دسمة لخطابهم التعبوي، بعد تجريدها تماماً من سياقها الإنساني والفلسفي والجمالي.
على النقيض تماماً من هذا التشويه الأيديولوجي الفج، تكشف القراءة الفاحصة والنقدية لنصوص نيتشه الأصلية، وتحديداً في كتبه المحورية كـ “إنساني، مفرط في إنسانيته”، و”ما وراء الخير والشر”، و”نقيض المسيح”، و”أصل الأخلاق وفصلها”، عن مفكر استثنائي يكنّ احتراماً فائقاً لليهود وتاريخهم العظيم. لقد رأى نيتشه في الشعب اليهودي تجسيداً أسمى وأكثر تعقيداً لمبدأ “إرادة القوة”؛ ليس قوة البطش العسكري، أو الغزو الجسدي الإمبراطوري الذي يحتقره نيتشه، بل قوة الصمود الروحي، والذكاء الحاد، والصلابة الفكرية التي مكنت هذا الشعب من البقاء، والازدهار، وفرض قيمه في أقسى ظروف الاضطهاد والعزلة التاريخية التي عرفتها البشرية.
لم يكن إطراء نيتشه لليهود مجرد تعاطف عابر ينبع من الشفقة (فالشفقة فضيلة يزدريها نيتشه)، بل كان جزءاً عضوياً ولا يتجزأ من مشروعه الفلسفي التحرري المتكامل. لقد وظف نيتشه إعجابه الصريح والموثق بـ “العبقرية اليهودية”، واستقامتهم الفكرية، وتراثهم العظيم المتمثل في حكمة وحيوية العهد القديم، ليضرب بقوة ويسخر من أسس الثقافة الألمانية المعاصرة له. تلك الثقافة التي اعتبرها غارقة في مستنقع القومية الشوفينية، والغباء السياسي، والانحطاط الأخلاقي النابع من سيكولوجية “الضغينة”. لقد وجد نيتشه في الروح الفكرية اليهودية الترياق المضاد لسموم معاداة السامية التي كان يراها مرضاً خطيراً يصيب النفوس الضعيفة والمهزومة التواقة للقطيع.
وفي رؤيته الاستشرافية والمستقبلية للقارة، وضع نيتشه الثقافة العليا والذكاء والإرادة فوق روابط “الدم والأرض” الخرافية التي اعتمدت عليها الحركات الفاشية اللاحقة. كان حلمه الفلسفي والسياسي يتلخص في ظهور “الأوروبي الصالح”؛ ذلك الإنسان المندمج ثقافياً، الحر روحياً، والذي يتجاوز حدود الدول القومية المصطنعة. وفي هذا المشروع الحضاري المستقبلي، اعتبر نيتشه أن اليهودي المعاصر، بحكم مرونته الفكرية المكتسبة، وتجرده من التعصب القومي، وعمق تاريخه المليء بالتأمل والمعاناة، يشكل العنصر الأهم، والركيزة الأنقى، والمحفز الأعظم لبناء أوروبا جديدة مبنية على سيادة العقل والفكر الحر.
إن إرث نيتشه الحقيقي، بعد تخليصه من براثن التزوير النازي والتأويلات القومية الساذجة، يقف اليوم شامخاً كشهادة قوية ضد كل أشكال التعصب القومي والعنصري. فلسفة تحتفي بالحيوية العظيمة، والقدرة الاستثنائية للروح البشرية على خلق المعنى المتجسدة في صمود وذكاء الشعب اليهودي عبر التاريخ، وتجعل من الفيلسوف ذاته نموذجاً للمفكر الحر الذي لا يهاب السباحة ضد تيار عصره الجارف.


نيتشه كان على بعد خطوة من عبادتهم!
فحتى حينما زعم أن الكهنة القدامى هم من أسسوا المسيحية (أخلاق العبيد) وأصابوا أوروبا بالانحطاط ،ورغم أنه ضد هذه الأخلاق وينتقدها نقدًا لاذعًا
برر هذا الفعل على أنه (عبقري انتقامي)
يعني في نظره حتى اخطاءهم فضيلة.
وعمومًا لا استبعد أن يكون هذا التبجيل و التعظيم الغريب لليهود قد ظهر حديثًا وهو كذبة، فماضيهم حافل بالكذب والتزوير ، وكما نعلم أن المنتصر هو من يكتب التاريخ .
شيء ما يخبرني أن قصة أخته التي زورت كتاباته هذي كلها حكاية تم حياكتها للوصول لهدف معين ، وقد يكون ما نشرته هو ما كتبه نيتشه فعلا بلا تحريف.
قد يكون ضد القومية الألمانية فعلًا ويدعم اندماج اليهود في المجتمع الاوروبي، لكن اراء كالتي قرأتها هنا تنتج عن سببين ، إما أن اليهود فعلًا حاولوا نشر هذه الحكاية لعلمهم أن قاعدة نيتشه الجماهيرية كبيرة جدًا والمتأثرون بآراءه كثر، أو أنه وصل مرحلة الهوس بهم.